جلال الدين السيوطي

519

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

حديثا غريبا ، وقال : لم يرو هذا إلا سعيد بن أبي عروبة . فقال بعض ولد جعفر : ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر ؟ قال : هكذا يقال ؛ لأنّ العروبة يوم الجمعة ، فمن قال : عروبة ، فقد أخطأ . قال ابن سلّام : فذكرت ذلك ليونس ، فقال : أصاب ، لله درّه . وروي عن ابن عائشة قال : كنّا نجلس مع سيبويه النحويّ في المسجد ، وكان شابا جميلا نظيفا قد تعلّق من كلّ علم بسبب ، وضرب من كلّ أدب بسهم مع حداثة سنّه وبراعته في النحو ، فبينما نحن عنده ذات يوم إذ هبّت ريح أطارت الورق ، فقال لبعض أهل الحلقة : انظر : أيّ ريح هي ؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس ، فنظر ثم عاد ، فقال : ما ثبتت الفرس على شيء . فقال سيبويه : العرب تقول في مثل هذا : قد تذاءبت الريح ، وتذاءبت أي فعلت فعل الذئب ؛ وذلك أنّه يجيء من ههنا وههنا ، ليختل فيتوهّم الناظر أنّه عدة ذئاب . وروى الخطيب عن أبي الحسن بن كيسان ، قال : سهرت ليلة أدرس ، ثم نمت ، فرأيت جماعة من الجنّ يتذاكرون بالفقه والحديث والحساب والنحو والشعر ، فقلت : أفيكم علماء ؟ قالوا : نعم . فقلت من همي بالنحو : إلى من تميلون من النحويين ؟ قالوا : إلى سيبويه . قال أبو عمر الزاهد : فحدّثت بها أبا موسى ، وكان يغيظه لحسد كان بينهما ، فقال لي أبو موسى : إنّما مالوا إليه لأنّ سيبويه من الجنّ . وروى الخطيب من طريق ثعلب عن سلمة قال : لما دخل سيبويه من البصرة إلى مدينة السلام ، أتى حلقة الكسائيّ ، وفيها غلمانه : الفرّاء وهشام ونحوهما ، فقال الفرّاء للكسائيّ : لا تكلّمه ودعنا وإيّاه . فلما جلس سيبويه : سأل عن مسائل والفرّاء يجيب ، ثم قال له الفرّاء : ما تقول في قول الشاعر : تمّت بقربي الزينبين كلاهما * إليك وقربي خالد وسعيد فلحق سيبويه حيرة السؤال ، وقال : أريد أمضي لحاجة وأدخل . فلما خرج ، قال الفرّاء لأهل الحلقة : قد جاء وقت الانصراف ، فقوموا بنا ، فقاموا ، فخرج سيبويه ، فذكر